أبي حيان الأندلسي
169
تفسير البحر المحيط
القيامة . وفي قوله * ( وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً ) * تنبيه على كونه من الشهداء لقوله * ( بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ ) * وهذا السلام يحتمل أن يكون من الله وأن يكون من الملائكة انتهى . والأظهر أنه من الله لأنه في سياق * ( وَاتَيْنَاهُ الْحُكْمَ ) * . * ( وَاذْكُرْ فِى الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَاناً شَرْقِياً * فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِم حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً * قَالَتْ إِنّى أَعُوذُ بِالرَّحْمَانِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً * قَالَ إِنَّمَا أَنَاْ رَسُولُ رَبّكِ * رَبّكِ لاِهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً * قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِى بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً * قَالَ كَذالِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءايَةً لّلْنَّاسِ وَرَحْمَةً مّنَّا وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً * فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً * فَأَجَاءهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يالَيْتَنِى مِتُّ قَبْلَ هَاذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً * فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلاَّ تَحْزَنِى قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً * وَهُزّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً * فَكُلِى وَاشْرَبِى وَقَرّى عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البَشَرِ أَحَداً فَقُولِى إِنّى نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً ) * . مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه تعالى لما ذكر قصة زكريا وطلبه الولد وإجابة الله إياه فولد له من شيخ فان وعجوز له عاقر وكان ذلك مما يتعجب منه ، أردفه بما هو أعظم في الغرابة والعجب وهو وجود ولد من غير ذكر ، فدل ذلك على عظم قدرة الله وحكمته ، وأيضاً فقص عليهم ما سألوه من قصة أهل الكهف وأتبع ذلك بقصة الخضر وموسى ، ثم قص عليهم ما سألوه أيضاً وهو قصة ذي القرنين ، فذكر في هذه السورة قصصاً لم يسألوه عنها وفيها غرابة ، ثم أتبع ذلك بقصة إبراهيم وموسى وهارون موجزة ، ثم بقصة إسماعيل وإدريس ليستقر في أذهانهم أنه أطلع نبيه على ما سألوه وعلى ما لم يسألوه ، وأن الرسول عليه الصلاة والسلام وحيه في ذلك واحد يدل على صدقه وصحة رسالته من أمي لم يقرأ الكتب ولا رحل ولا خالط من له ولا عنى بجمع سير . و * ( الْكِتَابِ ) * القرآن . و * ( مَرْيَمَ ) * هي ابنة عمران أم عيسى ، و * ( إِذْ ) * قيل ظرف زمان منصوب باذكر ، ولا يمكن ذلك مع بقائه على الظرفية لأن الاستقبال لا يقع في الماضي . وقال الزمخشري : * ( إِذْ ) * بدل من * ( مَرْيَمَ ) * بدل الاشتمال لأن الأحيان مشتملة على ما فيها وقته ، إذ المقصود بذكر مريم ذكر وقتها هذا لوقوع هذه القصة العجيبة فيها انتهى . ونصب * ( إِذْ ) * باذكر على جهة البدلية يقتضي التصرف في * ( إِذْ ) * وهي من الظروف التي لم يتصرف فيها إلاّ بإضافة ظرف زمان إليها . فالأولى أن يجعل ثم معطوف محذوف دل المعنى عليه وهو يكون العامل في * ( إِذْ ) * وتبقى على ظرفيتها وعدم تصرفها ، وهو أن تقدر مريم وما جرى لها * ( إِذِ انتَبَذَتْ ) * واستبعد أبو البقاء قول الزمخشري قال : لأن الزمان إذا لم يكن حالاً عن الجثة ولا خبراً عنها ولا وصفاً لها لم يكن بدلاً منها انتهى . واستبعاده ليس بشيء لعدم الملازمة . قال : وقيل التقدير خبر مريم فإذ منصوبة لخبر . وقيل : حال من هذا المضاف المحذوف . وقيل : * ( إِذْ ) * بمعنى أن المصدرية كقولك : أكرمك إذ لم تكرمني أي إن لم تكرمني . قال أبو البقاء : فعلى هذا يصح بدل الاشتمال أي * ( وَاذْكُرْ ) * * ( مَرْيَمَ ) * انتباذها انتهى . و * ( انتَبَذَتْ ) * افتعل من نبذ ، ومعناه ارتمت وتنحت وانفردت . قال السدّي * ( انتَبَذَتْ ) * لتطهر من حيضها وقال غيره : لتعبد الله وكانت وقفاً على سدانة المتعبد وخدمته والعبادة فتنحت من الناس كذلك ، وانتصب * ( مَكَاناً ) * على الظرف أي في مكان ، ووصف بشرقي لأنه كان مما يلي بيت المقدس أو من دارها ، وسبب كونه في الشرق أنهم كانوا يعظمون جهة الشرق من حيث تطلع الشمس . وعن ابن عباس : اتخذت النصارى الشرق قبلة لميلاد عيسى عليه السلام . وقيل : قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض محتجبة بحائط أي شيء يسترها ، وكان موضعها المسجد فبيناهي في مغتسلها أتاها الملك في صورة آدمي شاب أمرد وضيء الوجه جعد الشعر سوي الخلق لم ينتقص من الصورة الآدمية شيئاً أو حسن الصورة مستوي الخلق . وقال قتادة * ( شَرْقِياً ) * شاسعاً بعيداً انتهى . والحجاب الذي اتخذته لتستتر به عن الناس لعبادة ربها . قال السدّي : كان من جدران . وقيل : من ثياب . وعن ابن عباس : جعلت الجبل بينها وبين